خطرات و ومضات في أنباء الغيب
(28) المعلوم أن فئة "الهارونيين" كانوا من الكهنة الذين تَرَبُّوا على الصلاح والتقوى, وكانوا من ذرية هارون وأتباعه الربانيين, وكانت مريم العذراء منهم؛ فنسبها القرآن الكريم لهارون في قوله تعالى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) مريم:28, فأبطل شبهة الخلط بينها وبين مريم أخت موسى وهارون؛ حسبما ورد في الأسفار, وكشف سِرًّا غفل عنه المشككون.
(29) شبهة الخلط بين مريم العذراء ومريم أخت موسى وهارون يردها حديث نبوي؛ عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا لي: ألستم تقرؤون يا أخت هارون، وقد كان بين عيسى وموسى ما كان (من الزمان)؟ فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال:.. كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم"؛ رواه الترمذي والنسائي, فهي إذن أخوة الانتساب لا أخوة الدم؛ كما قال تعالى: "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا", "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا", "وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا".
(30) قال تعالى: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ لقمان: 16, والمثل لبيان حساب الآخرة على أقل أعمال الدنيا, وحبة الخردل أقل الحبوب المعهودة, والمعلوم حاليا أن قوى الجذب للجسم تتعادل وينعدم وزنه عندما يكون في الفضاء؛ وكذلك لو كان في مركز صخرة أو في مركز الأرض.
(31) قال تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ يونس: 61, وقال تعالى: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ سبأ: 3, والذرة في عرف العرب نملة, ولكن لا توجد نملة في السماء؛ مما يسوغ حمل لفظ (ذرة) على أصغر مكونات المادة كالمعلوم اليوم, وحينئذ تتجلى دلالة الوصف (وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ)؛ قبل اكتشاف الجسيمات الذرية.
(32) قال تعالى: وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى الرعد :2, وفاطر:13, والزمر: 5, وقال تعالى: وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِيَ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى لقمان: 29, ولفظ (كُلّ) يعني الجمع ويفيد أن كل الأجرام بالكون حركاتهم بالمثل مقدرة؛ وإن لم يُذكر صريحًا سواهما, وقد اكتشف حديثا أن للشمس فلك Orbit كما للقمر؛ تقطعه وأتباعها بسرعة هائلة في حوالي 250 مليون سنة أرضية حول مركز المجرة.
(33) قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ الحج: 47, ولا يستقيم التماثل في الزمن؛ وإنما في المسافةً لبيان سرعة انتقال كونية عظمى لا ينبغي معها مزيد استعجال, أي أن المسافة المقطوعة في يوم تماثل مسافة مقدارها ألف سنة بسرعة ما تُبْنَى على حركته السنة عند العرب عصر التنزيل؛ وهو القمر, ولو سكنت حركة الأرض حول الشمس كما يظنون ويحسبون ويعدون؛ سيقطع القمر في يوم (86164.09966 ثانية) مسافة ألف سنة (25.831347230 بليون كم), فتكون أقصى سرعة مقدرة للانتقال في الكون لكل القوى الفيزيائية: 299792.458 (حوالي 300 ألف) كم\ثانية؛ وهي نفس القيمة المُعْلَنَة منذ عام 1983.
(34) قال تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ الأنبياء: 33, وهو يعني تميز كل جرم في الكون بمدار يقطعه في فترة مقدرة, وهذا أبلغ لبيان كمال عظمة الله تعالى وقدرته, قال ابن عطية: "والشمس والقمر في ضمن ذكرهما ذكر الكواكب (والنجوم)..، أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر", وقال الألوسي: "(لأجل مُّسَمًّى) أي وقت معين.. (ليُتم دورته) وهو المروى عن ابن عباس", وهذا بخلاف السائد قبل عصر العلم من ثبات النجوم.
(35) قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ يس: 37, وفيه دلالة على أن الغلاف الجوي رقيق قياسا على الفضاء الضخم خلفه؛ مثل سلخة جلد ذبيحة رقيق قياسًا على البدن الضخم خلفه, فإذا رفعت طبقة الجو حيث يتبدى النهار بدا كل بدن السماء ظلام, ولم يعاين ذلك الظلام الذي يسود الكون ويغشي كل الأجرام أحد؛ قبل رحلة يوري جاجارين في 12 أبريل عام 1961 على متن مركبة الفضاء السوفيتية فوستوك1.
(36) قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ النحل: 48, و(فيء) الظلال رجوعها إلى ما كانت عليه, ومع ابتداء الحركة الظاهرية للشمس يوميا؛ تتحرك الظلال نحو الشرق جهة يمين المراقب, وتواصل تحركها شرقًا بعد الزوال مع توجه الشمس نحو شمال المراقب, وتعدد المشارق سنويا ناسبه مجيء (الظلال) جهة يمين المراقب بالجمع, وتعدد المغارب ناسبه مجيء (الشمائل) بالجمع, ورجوع الظلال يوميا وسنويا إلى ما كانت عليه بدقة متناهية يعلن عن وجود تقدير وتدبير لإرادة عليا مُوَجِّهَة فرضت نظامًا إجباريا لا تملك حتى الظلال أن تخالفه.
(37) في مخ الإنسان يترتب مركز السمع تشريحيا قبل مركز البصر, وفي القرآن الكريم ترد وظيفة السمع والبصر مسلوبة (صم عمي) في مقام العناد إنكارًا للحق بتعطيل حواس الإدراك؛ مع الحفاظ على ترتيبهما المخبوء بالدماغ: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ الزخرف: 40, أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ محمد: 23.
(38) في نهاية القرن التاسع عشر اكتشف كارل فيرنك منطقة بالمخ بين مركزي السمع والبصر مهمتها الوعي بالكلام؛ فسميت بمنطقة فيرنك Wernicke's Area, وتؤدي إصابتها للبكم, والقرآن الكريم يرتب تلك الوظائف مسلوبة في حق المكابرين بنفس الترتيب المخبوء بالدماغ: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ البقرة: 18, صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ البقرة: 171, وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ الأنعام: 39.
(39) في مخ الإنسان يسبق مركز السمع تشريحيا مركز البصر, وبينهما منطقة إذا أصيبت يصاب الإنسان بالبكم, وجر العدو على وجهه؛ مقلوبًا ومُنَكَّس الرأس, هو أنسب وضع لتصوير بالغ إذلال المُكَابِر يوم الحساب, وفي القرآن الكريم ترد تلك الوظائف في وصف المكابر مسلوبة, ويجر على وجهه مقلوب الوضع؛ فتنعكس تلك الوظائف مُحافظةً على الترتيب المخبوء بالدماغ: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا الإسراء: 97.
| الصفحة: | 1 | ... | 2 | ... | 3 | ... | 4 | ... | 5 | ... | 6 | ... | 7 | ... | 8 | ... | 9 | ... | 10 | ... | 11 |